حين لا تعني الكلمات الشيء نفسه للجميع
- Chavia Ali

- 6 فبراير
- 3 دقيقة قراءة
كان عبير الكمّون والثوم يتسلّل عبر الممرّات الضيّقة في مخيّم اللجوء. عرفتُ فوراً أنّ أحدهم يطبخ الكوسا المحشيّة من جديد.
قبل سنوات عدّة، كنت أعيش في ذلك المخيّم. وبحكم خلفيّتي القانونيّة، وجدت نفسي كثيراً أساعد الآخرين في أوراق اللجوء الخاصة بهم. لم يكن ذلك عملاً رسميّاً، ولا مدفوع الأجر، لكنه كان يعني الكثير لمن حولي. وفي المقابل، كان كثيرون يعبّرون عن امتنانهم بالطريقة الوحيدة المتاحة لهم: الطعام. كان سكّان المخيّم يدعونني لمشاركتهم ما استطاعوا إعداده، ويضعون قلوبهم وأرواحهم في تحويل مكوّنات بسيطة إلى شيء استثنائي.
في أحد الأسابيع، طُرحت الكوسا بسعر مخفّض في المتجر القريب، فاستعملها تقريباً الجميع كلٌّ على طريقته. أعدّ السوريّون «شيخ المحشي»، الطبق الذي ظننت أنّني أعرفه جيّداً. في ذلك الأسبوع، أكلت «شيخ المحشي» أربع مرّات، وفي كلّ مرّة كان مختلفاً تماماً. توابل مختلفة. حشوات مختلفة. أيادٍ مختلفة. الاسم واحد، لكن الطبق ليس هو ذاته. في ذلك المخيّم البعيد في شمالٍ قصيّ، بعيداً عن الوطن، تعلّمت عن التنوّع الغني في تقاليد المطبخ السوري أكثر ممّا تعلّمته في سوريا نفسها. لم تتّفق عائلتان في المخيّم على الطريقة «الصحيحة» لتحضير الكوسا المحشيّة، لكنّ كلّ واحدة منها كانت تعرف جيّداً كيف تكون كريمة ومتفانية، حتى في أقسى الظروف.
وفي مرّة أخرى، أثناء زيارتي لتونس، عرضت عليّ شابّة لطيفة «حوت» على الغداء. قبلتُ، متفاجئة وفضوليّة. في العربيّة السوريّة، تعني كلمة «حوت» الحوتَ، فتخيّلت طبقاً ضخماً وغريباً، وجبة لم أجرّبها من قبل ولم أسمع بها قط. لكن عندما وصل الطبق، كان سمك سردين مقليّاً طازجاً وشهيّاً. في اللهجة التونسيّة، تعلّمتُ يومها، تعني كلمة «حوت» ببساطة: سمك.
الكلمة نفسها. عالم مختلف. وهذا دون أن نصل بعد إلى الطبقة الأهم من المعنى: تجربتنا المعيشة. طوال حياتي، حاولتُ أن أشرح لأصدقائي كم أنّ «البعجنلي» من كوباني طبق استثنائي ولذيذ. ذلك النوع من الطبخ الذي لا يتكوّن إلا عبر أجيال، من علاقة حميمة بالأرض وبما تمنحه من مكوّنات. لا يمكن فهمه بالكلام؛ عليك أن تتذوّقه بنفسك.
مجرد استخدامنا للكلمة نفسها لا يعني أنّنا نقصد الشيء ذاته. لكلّ طاهٍ نسخته الخاصّة من الكوسا المحشيّة. وهذا لا يقتصر على الطعام. ينطبق الأمر أيضاً على الحقوق، والقانون، والكرامة. على القرارات التي تحدّد من يُسمح له بالعيش، ومن يُترك ليموت، من يحقّ له الكلام، ومن يُسكت بعنف. كثيراً ما نواجه عبارات قويّة مثل «الحرية مكفولة» أو «الحقوق مصونة» في الدساتير والنصوص القانونيّة. لكن ما يبدو أنّ هذه الكلمات تعنيه على الورق لا يطابق دائماً كيف تُفهم أو تُطبَّق في الواقع.
أتذكّر نقاشاً دار بيني وبين أحد أعضاء البرلمان في بلدٍ من بلدان اقليمنا. قال لي بفخر إنّ الدستور الجديد يضمن حرية الدين والمعتقد. فسألته: «وماذا عن شخص ملحد؟» نظر إليّ متفاجئاً وأجاب: «طبعاً لا!» كان ذلك الرجل صادقاً، مثقّفاً، ومهتمّاً بحقوق الإنسان بعمق. لكنه كان يتحدّث انطلاقاً من حقيقته هو، ومن فهمه الخاص للحقوق في مجتمعٍ مثالي. كلمات مثل «الحرية» و«العدالة» و«المساواة» يمكن أن تعني أشياء متباينة جذرياً لأشخاص مختلفين. لذلك، مجرّد ورود هذه المصطلحات في قانون ما لا يعني أنّ الجميع متّفق على من تشملهم أو ما الذي تحميه.
الفجوة بين القانون المكتوب والواقع المعاش في أيّ مجتمع قد تكون سحيقة. لأنّ الأهم من الكلمات نفسها هو: من يعرّفها، ومن يفسّرها، ومن يُستبعد منها. إن حماية الحقوق تحتاج إلى أكثر من حبر على ورق، وأكثر من صور إعلاميّة أو بيانات رنّانة للصحافة. تحتاج إلى فهمٍ مشترك، وتواضعٍ ثقافي، وعملٍ دؤوب، وشجاعة لتطبيق هذه الكلمات بعدالة، حتى عندما يتحدّى ذلك قناعاتنا الخاصة.
اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، تبدو هذه الأسئلة ملحّة. بينما أراقب الثلج السويدي يتساقط بهدوء خلف نافذتي، يُستَخدم خطاب «الوحدة الوطنية» و«الأمن» مرّة أخرى لتدمير البيوت، والحياة، والأمل. في الجنوب والشمال، في الغرب والشرق، في الجبال والسهول. ما لم نُرِد لحياتنا أن تنحدر إلى صراعٍ همجيّ من أجل البقاء، علينا أن نتعلّم هذا الدرس: حين تُفهَم كلمات مثل «الحرية» بطرق مختلفة، فالأمر لا يقتصر على اللغويات. قد يعني الأمان لشخص، والخطر لآخر. الانتماء للبعض، والمنفى لغيرهم. لذلك، ربّما لا ينبغي أن ننشغل بالسؤال عمّا إذا كان القانون يعد بالحرية أو العدالة أو الأمن، بل أن نتأمّل الأسئلة الأعمق: «حرية وأمن لمن؟ وعدالة وفق تعريف من؟»
الكلمات لا تسافر فارغة. إنّها تحمل التاريخ، والسلطة، والافتراضات. وإذا كنّا نطمح إلى مستقبل لا تحدّده القوّة الغاشمة، ولا الكراهية، ولا الدمار — عالم نستطيع فيه من جديد أن نستمتع بـ«شيخ المحشي» بكلّ تنوّعاته الجميلة — فعلينا ألا نسأل فقط عمّا يقوله القانون، بل عمّا يعنيه حقّاً. وربّما، قبل أيّ شيء آخر، نحتاج ببساطة أن نتعلّم أن نسأل بعضنا البعض«ماذا تعني هذه الكلمة بالنسبة لك؟»
ثم نكون مستعدّين للإصغاء.
جافيا علي
Chavia Ali





تعليقات