top of page

46 عاماً: حياة لا تُقاس بالسنوات وحدها

6 سبتمبر
4 دقيقة قراءة

ستة وأربعون. أشعر بالفخر بهذا الرقم.


لم يكن بلوغ هذا العمر شيئاً يمكنني التعامل معه كأمر مفروغ منه. عندما كنت مجرد رضيعة، في الشهر التاسع من عمري، هاجم شلل الأطفال جسدي بشراسة ستترك أثرها على مسار حياتي بأكمله. فكانت توقيعات الطب، والإحصاءات، وحتى واقع ذلك المرض، قد ترسم جميعها طريقاً أكثر خطيرة، وربما أقصر.


قبل 46 عاماً، نجا جسدي من هجوم كان يمكن أن بقصر أيامي

وبعد 46 عاماً، ما زلت هنا.


ما زلت أمضي في هذه الحياة، حيث أتعلم وأقاوم وأتطور كشخص، يوماً بعد يوم. ما زلت حيّة فما زلت أحب، وأنا آملة أن يكون في داخلي شيء من الحكمة الإضافية، وقليل من الشجاعة الإضافية. فتعلمت إذاً أن الحياة تفاجئنا أحيانًا بالجمال وباللطف.


ومثل ما عاشه كثير من أصدقائي، كان العام الماضي مثقلاً بما يفوق طاقتي من التحديات الشخصية، وخيبات الأمل، واللحظات الصعبة، والصراعات. كان هناك تراكم تلك التحديات اليومية الصغيرة المزعجة، والإهانات التي قد تبدو تافهة في عيون الآخرين، لكنها تصبح غير محتملة حين يكون عليك أن تخوضها يوماً بعد يوم، فقط لكي تستمر. وكان هناك أيضاً حزن الخسارات التي تجاوزت حدود حياتي الشخصية. حياتي التي كانت، أصلاً، محدودة في مساحتها، ضاقت أكثر فأكثر، حتى باتت في بعض اللحظات لا تتجاوز مجرد محاولة البقاء متماسكة أمام أزمة جديدة تلو أخرى. لكن ربما تكون، رغم كل ذلك، إحدى أعظم هدايا التقدم في العمر هي أن نفهم أخيراً أن الحياة لا تُقاس بما يستطيع الإنسان أن يعرضه على العالم، ولا بمدى قلة ما عاناه. الحياة تُقاس بمقدار الحب، والمعنى، والشجاعة، والإنسانية التي نستطيع أن نصنعها رغم كل هذا الألم. ما دمنا على قيد الحياة، الأمل لا يضيع.  


وربما لهذا السبب، وجدت نفسي هذا العام أفكر كثيراً في الحب. الحب الذي يجعل الوجود جديراً بأن يُعاش، والذي يبقى في جوهرنا حين تتساقط عنّا كل الطبقات الأخرى. لا أقصد المشاعر الرائعة التي نتحدث عنها كثيراً. بل الحب الذي نخلقه من خلال أفعالنا. حين تختار أن تهتم بمصلحة من تحب، حتى عندما لا تتطابق مصالحكما تماماً. أو أن تقف إلى جانب شخص تحبه عندما يكون ضعيفاً، لا أن تستخدم ضعفه سلاحاً ضده. أن تساعده على تقوية نقاط ضعفه، لا أن تجعل منها مقياساً لقيمته. أن تحمي كرامة شخص ما عندما يعجز هو عن حمايتها بنفسه. أن تبقى حاضراً عندما يكون الرحيل أسهل.


فالحياة ليست مجرد أن ننجو مما كان يفترض أن يدمرنا. إنها ما نختار أن نفعله بالحياة التي مُنحت لنا. والحب أيضاً اختيار. ليس مجرد شعور مفاجئ، أو لحظة جميلة، أو اندفاع عاطفي يمكن أن نتخلى عنه بالسرعة نفسها التي جاء بها. الحب شيء نبنيه. شيء نحميه. إنه شيء نتعلم ممارسته. شيء نختاره، مرة بعد مرة.


نحن نعيش في عصر أصبح فيه الرحيل أسهل بكثير من الإصلاح. نعيش في زمن الموضة السريعة، ومدافن النفايات التي تتسع بلا نهاية - ليس فقط في ميدان السياسة أو في مراكز التسوق، بل في علاقاتنا الشخصية أيضاً. لقد اعتدنا أن نستبدل ما يصعب علينا، بدلاً من أن نحاول إصلاح ما انكسر. وفي مكان ما على الطريق، يبدو أننا نسينا ماذا نفعل بالحب الذي يبقى عندما يغلق الغضب، وخيبة الأمل، والخوف، والكبرياء، والإرهاق الطريق أمامنا. فكيف إذاً نتعلم من جديد الصبر، والشجاعة، والعمل الشاق اللازم كي نشق طريقنا بحذر بين أنقاض ما انهار؟ وعندما يكون كل واحد منا عالقاً داخل متاهة كوارثه الشخصية، كيف نتعلم من جديد أن نتواصل مع بعضنا البعض، وأن نتخيل معاً حياة أخرى، وأن نبنيها معاً؟ ربما لا يكمن الحب القوي في الكلمات الجميلة. بل إنه يكمن في ذلك العمل البطيء، الصعب، والمؤلم أحياناً، لتعلم كيفية مواجهة المشكلات التي تقف أمامنا.


الحب يأتي بكل الألوان والأشكال.

هناك حب الآباء والأبناء، حيث قد يقضي أب أو أم سنوات وهما يضعان احتياجات شخص آخر، قبل احتياجاتهما. فهم يعبرون عن مشاعرهم بالصبر، بدون خطب عظيمة. ثم هناك أشخاص لا تجمعنا بهم صلة دم، لكنهم يصبحون عائلتنا من خلال الوفاء، والثقة، وكل ما عشنا معاً. وهناك حب الصداقة - الصديق الذي يسأل عنك دون أن تطلب، ويتذكر ما لم تستطع قوله، ويبقى في المواسم الصعبة، بدلاً من أن يظهر فقط في مواسم الاحتفال. وهناك حب المكان، والمجتمع، والوطن؛ حب لا ينبغي أن يعني أن نعمي أعيننا عن عيوبه، بل أن يمنحنا الشجاعة لنواصل النضال من أجل شيء أفضل. قد يحظى الحب الرومانسي بكل القصائد والهدايا. لكن الحب في جوهره حديقة ثمينة. حديقة فيها ورود عطرة، نعم، لكن فيها أيضاً أشواك وقراص وحفر موحلة.


علّمني هذا العام أن الحب لا يأتي دائماً في صورة أفعال عظيمة أو لفتات استثنائية. أحياناً يكون رسالة تصل في اللحظة المناسبة تماماً. شخصاً يبقى معك على الهاتف حين لا يكون لديك شيء جميل تقوله. شخصاً يتذكر أنك متعب، ويفسح مساحة لضعفك دون أن يجعلك تشعر بأنك ضعيف. صديقاً يؤمن بك حين تعجز، ولو مؤقتاً، عن الإيمان بنفسك. شخصاً يقف إلى جانبك دون أن يسأل عما سيحصل عليه في المقابل. وأحياناً يكون الحب ببساطة أن تستطيع أن تقول: أنا هنا.

أخشى أنني خلال هذا العام لم أكن دائماً قادرة على التعبير عن مقدار ما يعنيه لي وجودكم. لذلك، إلى كل من منحني هذا الشعور طوال هذا العام — شكراً


إلى عائلتي

إلى أصدقائي

إلى الذين ساندوني بصمت، وإلى الذين تحدثوا من أجلي

إلى الذين قدموا لي مساعدة عملية، أو قوة عاطفية، أو لطفاً، أو صبراً، أو ضحكة، أو مجرد حضورهم

إلى الذين بقوا قريبين مني في اللحظات الصعبة


وإلى كل من ذكّرني بأن الحياة، حتى في أكثر أعوامها تعقيداً، لا تزال تحتوي على أناس جميلين: أتمنى أن تجدوا جميعاً من يسندكم في اللحظات التي تحتاجون فيها حقاً. وأن تجدوا الحب حتى في الأماكن التي لا تتوقعون أن تجدوه فيها. وحين تنهار الأشياء من حولكم، تذكروا أن الضجيج القبيح والدخان الذي يصاحب الانهيار سيمضي. تذكروا أن الأنقاض من حولنا ليست في النهاية سوى حجارة وغبار. أما نحن، ما زلنا هنا، ما زلنا أحياء.

لا أعرف ماذا سيحمل العام القادم. لكنني أعرف شيئاً واحداً: لقد بلغت السادسة والأربعين وأنا فخورة بذلك.

أطيب تمنياتي لعامي السادس والأربعين، ولكل شخص جعل هذه الرحلة أخف وطأة

أينما كنتم: ابقوا بخير وأمان.


جافيا علي 


Chavia Ali


 
 
 

تعليقات


bottom of page