حين يصبح اللطف فعلاً استثنائياً
قبل أيام، أرسلت رسالة صوتية إلى أماليا لأتمنى لها عيد ميلاد سعيداً. وعندما تحدثت معها لاحقاً، أخبرتني كم كانت تلك الرسالة تعني لها؛ فهي لم تتلقَّ أي رسالة أخرى بمناسبة عيد ميلادها. أصبت بالذهول. أماليا هي «أمي الإسبانية»، تلك المرأة الجميلة التي اعتنت بي خلال السنوات الطويلة التي أمضيتها في إسبانيا لتلقي العلاج الطبي في طفولتي. لولاها، لما كنت الشخص الذي أنا عليه اليوم. لديها أطيب وأكرم قلب يمكن أن تتخيله؛ وليس معي وحدي، فهي لطيفة مع كل شخص يعبر طريقها. كيف يمكن أن تكون هذه المرأة قد أمضت عيد ميلادها هذا العام من دون أن تغمرها التهاني والهدايا والاهتمام والمحبة؟
فجأة، أدركت كم أصبح العالم قاسياً وعنيفاً. ماذا حدث لنا حتى أصبح اللطف شيئاً نحتاج إلى أن نُذكَّر به؟ ومع ذلك، إذا كان هناك شيء واحد شعر به كبارنا والأجيال السابقة أنه من الضروري أن ينقلوه إلينا، فهو تحديداً أهمية اللطف والتعاطف. من دونهما، لم يعد بإمكاننا أن نسمّي أنفسنا «بشراً»، ومن دونهما تنهار مجتمعاتنا. لقد انتقلت إلينا هذه الحكمة عبر القصص والأمثال، من جيل إلى جيل. وكان الأطفال يسمعونها منذ سنواتهم الأولى، حتى ينقلوا هم بدورهم هذا الدرس الثمين إلى من يأتي بعدهم. فهل يمكن أننا، في مكان ما وفي مرحلة ما من الطريق، فقدنا هذا الإدراك؟
أصبح اللطف أشبه بزهرة نادرة، إلى درجة أننا نتفاجأ عندما نصادفه. لم نعد نتفاجأ كثيراً إذا اصطدم بنا أحد، أو لم يرد على رسالة، أو لم يجب عن سؤال بسيط. بل أصبح الأمر شبه مقلق عندما يختار موظف في متجر أو في دائرة إدارية أن يتحلى بالصبر رغم أنه تحت الضغط. وإذا توقف شخص ما لمساعدة شخص غريب، فقد نتساءل حتى إن كان وراء ذلك العمل الطيب دافع خفي. ولكي نحمي أنفسنا من قسوة العالم في الخارج، ارتدينا معطفاً ثقيلاً من اللامبالاة. إذا شعرنا بأن شخصاً آخر قد يكون في مأزق، تعلمنا أن ندير وجوهنا بعيداً ونتظاهر بأننا لم نلاحظ. وبذلك، نحن أيضاً نساهم في جعل الشوارع التي نعبرها أكثر برودة، وأكثر قتامة.
في قصة السامري الصالح، ما يبقى معي ليس فقط أن رجلاً ساعد غريباً مصاباً، بل أنه توقف. كان بإمكانه أن يعبر إلى الجهة الأخرى من الطريق ويمضي، تماماً كما فعله الكاهن واللاوي. واليوم، كما في الماضي، عندما نتجاوز شخصاً يعاني، قد يكون السبب بالطبع خوفاً من شخص نراه مختلفاً عنا أو منتمياً إلى جماعة أخرى. وقد نكون دائماً على عجلة من أمرنا؛ نخشى أن نتأخر، أو أن نتخلف عن الآخرين، أو أن نفوّت شيئاً كنا قد عقدنا العزم على الوصول إليه. لكن قد يكون السبب أيضاً أننا ببساطة لم ندرك أن إنساناً آخر كان يحتاج إلينا.
قد يبدو مظهر الإنسان الخارجي مستقلاً، ناجحاً، سعيداً، وقادراً تماماً على العمل والكلام والضحك، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف عنها أحد. وعندما لا نفهم ما لا نستطيع رؤيته، نحكم عليه أحياناً. لماذا هذا الشخص حساس إلى هذا الحد؟ لماذا لا يختلط بالآخرين؟ لماذا لا يستطيع ببساطة أن يتجاوز الأمر؟ لماذا لا يخرج من المنزل؟ لكننا لا نعرف دائماً ما الذي حدث قبل أن يصل إلى تلك النقطة. بعض الناس لم يختاروا العزلة. العزلة اختارتهم بعد أن تعرضوا للأذى مرات أكثر مما يستطيعون تحمله. وقد يكون ذلك «الاستقلال» الذي يُعرض أمام الآخرين وكأنه وسام، مجرد طريقة أخرى لحماية أنفسنا من ألم الرفض، تماماً كما قد تحمينا عباءة اللامبالاة من مشاهدة ألم الآخرين. ثم تتحول الحماية إلى عزلة، وفي النهاية قد تصبح العزلة أسلوب حياة.
وأفكر أيضاً في الأطفال. طفل يتعرض للسخرية في المدرسة لأنه يبدو مختلفاً، وفتاة يتم استبعادها لأنها لا تنسجم مع الآخرين، وطفل لديه إعاقة غير مرئية ولا يستطيع أن يشرح لماذا تبدو بعض الأمور صعبة بالنسبة إليه. طفل يعيش مع القلق أو الخوف أو الصدمة في المنزل، ثم يصل إلى المدرسة ليُوصَف ببساطة بأنه «صعب». طفل يتلعثم، أو لا يعرف كيف يدافع عن نفسه، أو لا يملك الأشياء التي يمتلكها الأطفال الآخرون. طفل مختلف، بكل بساطة.
وبعد سنوات، نلتقي بشخص بالغ ونقول: «إنه فقط شديد الانطواء». لكننا لا نسأل: «من علّمه أن الاقتراب من الناس ليس آمناً؟» ولهذا أعتقد أن التعاطف لا يتعلق فقط بمساعدة شخص عندما يسقط، أو بالاقتراب من الغريب المصاب بدلاً من العبور إلى الجهة الأخرى من الطريق. ربما يتعلق أيضاً بالتأكد من أننا لسنا السبب في سقوطه من الأساس. أن نلاحظ النكتة التي قد لا تكون مضحكة للجميع، والتعليق على مظهر شخص آخر، والطريقة التي نسخر بها من طريقة شخص آخر في الكلام. أن نلاحظ الشخص الذي يجلس دائماً بمفرده، والطفل الذي لا يملك الشجاعة ليقول إنه يتألم، والشخص الذي يستمر في رفض الدعوات، والشخص الذي نصفه بأنه «حساس أكثر من اللازم»، والشخص الذي يطلب شيئاً بسيطاً، فيتلقى منا الانزعاج لمجرد أننا على عجلة من أمرنا.
نحن لا نستطيع دائماً أن نعرف ماذا يعني سلوكنا لشخص آخر. وفي كثير من الأحيان، قد لا ندرك حتى الألم الذي تسببنا به، بينما قد تكون تلك اللحظة بالنسبة لذلك الشخص واحدة من اللحظات التي علّمته أن الصمت أكثر أماناً من الكلام، وأن الوحدة أقل إيلاماً من محاولة الاقتراب من الناس. هذه هي قسوة الأشياء الصغيرة. لكن علينا أن نتذكر أن الأشياء الصغيرة قادرة أيضاً على أن تكون قوة فعالة من أجل الخير، وقادرة على إحداث تغيير. أحياناً، كل ما يحتاجه الأمر هو وجه ودود، أو أن نتوقف للحظة ونجيب عن سؤال، أو أن يقول شخص: «تعال واجلس معنا».
في عالم يزداد تعقيداً، لا يمكننا بالتأكيد أن نصلح كل شيء. لكن يمكننا، على الأقل، أن نختار ما الذي نضيفه إليه. كلمة أخرى مؤذية؟ حكماً آخر؟ مزحة قاسية أخرى؟ أم لحظة قصيرة من التعاطف ونحن نمضي في حياتنا اليومية؟ قد لا نعرف أبداً إن كانت كلمة طيبة قادرة على تغيير مسار حياة شخص ما، لكن يمكننا معاملة الآخرين بلطف رغم ذلك ودون توقع مكافأة. يمكننا أن نتوقف، وننتظر، ونسأل، وندعو شخصاً ما للجلوس معنا. يمكننا أن نصدق الإنسان عندما يخبرنا بأنه يتألم، وأن نختار ألا نسخر من اختلاف لا نفهمه. ويمكننا أن نتذكر أنه، تماماً كما أن بعض الإعاقات غير مرئية، فإن كل إنسان نلتقي به يحمل قصة حياة وأعباءً لا نستطيع رؤيتها أو فهمها.
لا أعتقد أننا نستطيع أن نكون لطفاء طوال الوقت. نحن بشر. نتعب، ونغضب، ونخطئ، ونقول أشياء نندم عليها لاحقاً. وبالنسبة لي، أعرف أنني في مرات لا تحصى كنت متعبة أو منشغلة بنفسي إلى درجة أنني لم أدرك أن عليّ أن أتوقف، أو أن أصغي، أو أن أمد يدي، أو أن أدعو إنساناً آخر إلى دفء دائرة من الأصدقاء. لكنني أؤمن بأن هناك فرقاً بين أن نخطئ، وبين أن نجعل القسوة أسلوباً في الحياة؛ بين أن نغضب، وبين أن نستخدم غضبنا لإذلال شخص آخر؛ وبين أن نضع حدوداً، وبين أن نسلب إنساناً آخر كرامته.
عندما كنت طفلة، أحدث لطف أماليا فرقاً هائلاً في حياتي. ولا تزال ذاكرتي لصبرها وشجاعتها الهادئة في حياتها اليومية مصدر إلهام لي. ولهذا، حاولت طوال حياتي أن أحمل هذا الدرس معي. نحن نعيش في زمن أصبح فيه اللطف العادي أكثر حاجة من أي وقت مضى، حتى نتمكن من عبور مختلف الصعوبات والأزمات التي نواجهها من دون أن نفقد إنسانيتنا. قد نشعر بالعجز عن تغيير العالم، لكن كلمة بعد كلمة، ومعاً، يمكننا على الأقل أن نجعل العالم أكثر ودّاً بقليل، وأن نجعل الشوارع أقل قتامة، إلى أن نتعلم من جديد أن نرى اختلاف الآخرين لا كتهديد، بل كجزء من جمال الحياة.
جافيا علي
Chavia Ali






تعليقات